محمد طاهر الكردي
107
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
النار ، وهو الذي قد خرج من بينهما فأرسله الله تعالى رحمة للعالمين ، وإذا قال الله تعالى له زيادة في إكرامه ورفعة في مقامه : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى فمما لا شك فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرضى في الآخرة أن يتنعم بنفسه في الجنة وأبواه في النار . هذا وإن اختلف العلماء في نجاة آبائه صلى الله عليه وسلم ، فالقول الأصح السديد أنهم ناجون . ونحن نرى أن الجدل والخوض في عدم نجاة أبويه صلى الله عليه وسلم فيه من المجازفة والمخاطرة ما فيه ، والصمت والسكوت عن ذلك أحسن وأفضل ، وأسلم وأكمل ، تأدبا واحتراما لمقام النبوة ، بل إن من يقرأ سير آبائه صلى الله عليه وسلم في كتب التاريخ بإمعان وتدقيق ، ينكشف له أنهم من أشراف الناس وقاداتهم ، وأنهم أعرف باللّه من غيرهم ، وكانوا يتعبدون على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وكانوا يأمرون بمكارم الأخلاق ، ويتصفون بأفضل الصفات ، كما كانوا يعرفون أنه سيبعث منهم نبي يأمر بالمعروف ويدعو إلى عبادة الله تعالى . وهذا عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء أبرهة بفيله ليهدم الكعبة شرفها الله تعالى وأخذ لعبد المطلب مائتي بعير ، ذهب إليه عبد المطلب ليأمر برد إبله إليه ، فقال له أبرهة : لقد زهدت فيك ، جئت لأهدم بيتا هو دينك ودين آبائك ، فلم تكلمني فيه وتكلمني في مائتي بعير ؟ فقال عبد المطلب : أنا رب الإبل ، والبيت له رب يمنعه منك . فلما رجع عبد المطلب أمر قريشا أن يتفرقوا في الشعاب ويتحرزوا في رؤوس الجبال ففعلوا ، ثم أتى عبد المطلب إلى البيت الحرام وأخذ بحلقة الباب وجعل يقول : يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهمو حماكا إن عدو البيت من عاداكا * فامنعهمو أن يخربوا قراكا فانظر أيها القارئ الكريم بعين التحقيق والإنصاف إلى قول عبد المطلب الجد الأول للنبي صلى الله عليه وسلم . أليس معرفته باللّه واضحة في قوله كالشمس ؟ والنبي صلى الله عليه وسلم لم يولد إلا بعد هذه الحادثة بنحو شهرين أو ثلاثة .